الغزالي

120

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

والمتقدّمين ولا أعلم لمن أزوّجها ، فأشر علي بما ترى ! فقال الغلام : إن الكفّار في زمن الجاهلية كانوا يريدون الأصل والنسب والبيت والحسب ، واليهود والنصارى يطلبون الحسن والجمال ، وفي عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان الناس يطلبون الدين والتقى ، أمّا وفي زماننا هذا فالناس يطلبون المال فاختر من هذه الأربعة ما تريد ؛ فقال القاضي : قد اخترت الدين والتقى والأمانة ، أريد أن أزوّجك ابنتي ؛ لأني قد وجدت فيك الصلاح والديانة والأمانة ، وجربت منك العفّة والصيانة ، فقال الغلام : أيها السيد أنا عبد رقيق هندي أسود ابتعتني بمالك ، كيف تزوّجني بابنتك ، وكيف تختارني ابنتك وترضاني ؟ فقال له القاضي : قم بنا إلى البيت لندبر هذا الأمر ! فلمّا صارا إلى المنزل قال القاضي لزوجته : اعلمي أن هذا الغلام الهندي دين تقي ، وقد رغبت في صلاحه وأريد أن أزوّجه ابنتي ، فما تقولين ؟ فقالت : الأمر إليك ، ولكن أمضي إلى الصبية وأخبرها وأعيد عليك جوابها . فجاءت المرأة إلى الصبية وأدّت إليها رسالة أبيها ، فقالت : مهما أمرتماني به فعلته ، ولا أخرج من تحت حكمكما ولا أعاندكما بالمخالفة ، بل أبرّكما . فزوّج القاضي ابنته بالمبارك ، وأعطاهما مالا عظيما ، فأولدها المبارك ولدا وسمّاه عبد اللّه ، وهو معروف في جميع العالم وهو عبد اللّه بن المبارك صاحب العلم والزهد ورواية الأحاديث ، فما دامت الدّنيا يحدّث عنه ويروى . نعم أيها الأخ ، إذا تزوجت فاطلب ذات الدين ولا تطلب ذات الصيت والمال ، فإن المال يعود وبالا ولا تعطيكه المرأة ، وإذا أردت أن تطلب زوجة فلا تطلبها وتخطبها لأجل بلوغ الشهوة ، وارغب فيها بنية أنها دينة وصالحة ، لتكون في خدرك وطاعتك وتكون لك سترا من النار . حكاية : نزل بعبد اللّه بن المبارك في بعض الأيام عشرة من العلماء ، ولم يكن عنده ما يضيفهم به ، وما كان يملك سوى فرس يحجّ عليها سنة ويغزو سنة ، فذبح ذلك الفرس وطبخ منه وقدّمه بين يدي أضيافه ، فقالت له زوجته : سبحان اللّه ما كنت تملك سوى هذا الفرس من الدّنيا ، فلم ذبحته ؟ فدخل سريعا إلى بيته وأخرج من متاع بيته بقدر مهرها وطلّقها في وقته وساعته وقال : امرأة تبغض الأضياف لا تصلح لنا . فأتاه بعد ذلك بأيام رجل وقال له : يا إمام المسلمين لي بنت وقد توفيت أمها وهي في كل يوم تمزق دست ثياب حزنا وغمّا ، واليوم تريد أن تقصد مجلسك ، فقل في تسليتها شيئا لعلّ قلبها يرق . فلمّا جلس على المنبر ذكر من هذا الباب ما تسلّت به الصبية عن أمها ، فلمّا عادت إلى البيت قالت : يا أبت قد تبت ولا أعود أسخط